شموخ الأسرى، بين المعاناة والفرص الضائعة !
د. عادل محمد عايش الأسطل
بغض النظر عن قلة الحديث أو كثرته، عن معاناة الأسرى الفلسطينيين، داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، أو عن معاناة أهلهم وذويهم ومن يهمهم همّ جميعم، بعد أن تحدث الكثيرون وسيتكلمون أكثر، بعدما شعر بتلك المعاناة المركّبة، من قيودٍ وآلام، وضيقٍ وأسقام، القاصي والداني، من الشرق والغرب وأطراف الحياة، التي يرزحون تحتها منذ أن تم أسرهم وإلى الآن.
ولاشك، فإنه ومن غير الممكن نكران الأعمال الجبارة، التي أقدموا ويقدمون عليها هؤلاء الأسرى، وعلى مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، في سبيل الفكاك من عنف السجّان الإسرائيلي، وكسر ممارساته وإرغامه على الركوع، أمام إرادة حركة الأسرى الفلسطينية، لأن ذلك مسموع بالآذان ومُشاهدٌ للعيان، وفي كل وقتٍ وزمان.
كما لا يمكن بأي حال، التقليص أو التقليل، من شأن الجهود المضنية، التي داومت عليها الجهات المعنية، من وزارات وحركات وأحزاب وجمعيات حقوقية، ومن دول عربية وإسلامية وغربية أخرى، من مساندة ودعمٍ جيدين، من أجل مواصلة الصمود والتصدي، في سبيل إنهاء هذه المأساة، التي لا أحد يريد أن تزداد يوماً واحداً.
وبالرغم من تلك الجهود، فقد كانت هناك أكثر من فرصة حقيقية "مُهدرة" كان من الممكن استثمارها جيداً، في صالح الأسرى، والقضية الفلسطينية بشكلٍ عام، وسواء كانت تلك، قبل تنفيذ صفقة "شاليط" الأخيرة بين حركة "حماس" وإسرائيل" أواخر عام 2011، أو في الفترة التي أعقبتها، حيث كانت الأجواء ساخنة ومشتعلة، يُركن إليها في إنضاج المزيد من تلك الصفقات، على نحوٍ أكثر قبولاً واستساغة. خاصةً وأن هذه الفرص، كانت لدى القيادة المصرية، و"ملكاً حصرياً" لسيادتها، على أنها الأكثر شعوراً بمعاناة الفلسطينيين، وأكبرها تحملاً للمسئولية، ومن حيث أنها تتحكم بها كيف تشاء، ومتى تشاء، بسبب أنها الأقوى في كل مرة وصاحبة الحق، والمعتدى عليها في سيادتها، حدوداً وأمناً، - ويجيء قولنا في هذا السياق، من باب العتب، وباب الإحسان لا الإلزام- حين كانت الفرصة الأولى، عندما تم الإعلان عن عملية إبرام صفقة سجناء، أقل ما توصف به بأنها "هزيلة" والتي تمثلت بمبادلة الجاسوس الإسرائيلي- العربي "عزام عزام" الذي كان اعتقلته السلطات المصرية، في العام 1996، وكابدت إسرائيل كثيراً، في سبيل الإفراج عنه، وتم أطلاق سراحه في أواخر عام 2004، مقابل إطلاق سراح ستة طلاب مصريين، كانوا اعتقلوا بعد اجتيازهم الحدود مع إسرائيل، وكانت الحادثة حينها مثار جدلٍ، فيما إذا كانت "مفبركة"، أو قد نالت قسطاً أكبر من حجمها في ذلك الوقت، لمواساتها بالجاسوس الكبير "عزام" الذي كان أضر بمصر كدولة ذات سيادة، وكانت أصيبت النخب المعارضة المصرية، وحتى الأوساط الحكومية حينها، بخيبة أمل كبيرة، من الكيفية التي جاءت عليها تلك الصفقة، بعد أن كان الاعتقاد السائد، بأن إسرائيل ستكون مجبرة، على دفع المزيد من الثمن في مقابل ذلك. وفي مناسبة ثانية، كانت اتجهت التوقعات مسبقاً للمراهنة على صفقة مصرية –إسرائيلية أخرى، هي أهم بكثير وأكبر قيمة وثمن لصفقة "عزام"، عندما تم إبرام صفقة الجاسوس الإسرائيلي- الأمريكي "إيلان غبريئيل" أواخر 2011، الذي اعتقل خلال الثورة المصرية، وتمت مبادلته بثمن أقل بكثير مما كان يجب، وبغض النظر عما أُشيع، من تلقي مصر لأسلحة أمريكية متطورة، بحكم التغيرات الحاصلة والمرحلة المختلفة تماماً، عن مجريات النظام السابق، وليس ذلك من باب التقليل، من شأن الأسرى المصريين، ولكن كان بالوسع جلب المزيد من المكاسب.
وجاءت في هذه الأثناء، صفقة الجاسوس "عودة الترابين"، الذي كان اعتقل خلال العام 2004، في مقابل إطلاق سراح 65 من الأسرى المصريين، التي اعتبرت أيضاً دون المستوى، من قِبل قطاعات واسعة بين المصريين، وأوساط سياسية وبرلمانية، واعتبرت الصفقة بأنها تنطوي على نفس الأخطاء، الذي وقعت فيها مصر، خلال الصفقات التبادلية الفائتة، وبذلك خسرت الأطياف الشعبية المختلفة، سواء في داخل مصر أو لدى الشعب الفلسطيني، دفعة أخرى، كانوا يراهنون عليها منذ زمن. إذ كان بإمكان القيادة المصرية، والجهات المسئولة، استثمار أمرين هامين، في سبيل إدراك مكاسب أخرى وكثيرة من قِبل إسرائيل، فبالإضافة إلى الحاجة الإسرائيلية الملحة، إلى إثبات الرغبة في استمرارية حسن النوايا الإسرائيلية، باتجاه الدولة المصرية الجديدة، فإن أول الأمرين، حركة الإضراب البطولية، التي تقوم بها الآن الحركة الأسيرة، ضد مصلحة السجون الإسرائيلية، لا سيما وإن مثل هذه وعلى الشاكلة من الشدة والإصرار، فإن من شأنها إلحاق الضرر الدولي والمحلي البالغين بدولة إسرائيل، وكانت تحتاج إلى الضغط أكثر، باعتبارها مناسبة جيدة، لضمان كمية التأثير المطلوبة، لكسب المزيد من المتطلبات والطموحات، وعلى المستويين المصري والفلسطيني، وثانيهما، يتمثل في حاجة إسرائيل، في إتمام عملية الإفراج عن "ترابين" ليس حباً في "ترابين" أو أهله وذويه "كونهم عرباً" ولكن لخدمة قضيتين مهمتين لديها، وأولهما، ظهور دولة إسرائيل أمام العالم- بما أنها تعاني المجهر الدولي- بأن المواطنين الإسرائيليين لديها سواء ، وسواء كان ذلك طائفياً أو عرقياً، "يهوداً أو عرباً أو دروزاً"، وهذا من الدلائل التي تعتل إسرائيل بها في شأن تثبت المصداقية لديها، وتنفي عنها- كما تعتقد- صفة العنصرية والاضطهاد العرقي، التي طالما اصطبغت أصوافها بها. وثانيهما، فإن هناك بعضاً غير قليلٍ، من داخل القبائل العربية "بدواً ودروزاً وشركساً"، ممن يعملون "طواعيةً" في المؤسسات الإسرائيلية، مؤسسة الجيش، ومؤسسات الأمن العام "أمان، الشاباك، الموساد" ومن شأن التراخي الإسرائيلي، في شأن ملاحقة "ترابين" وإطلاق سراحه، أن يقابله تراخياً أكبر، لدى تلك الشريحة، العاملة لصالح إسرائيل، ومن ناحيةٍ أخرى، الضرر البالغ الذي ستواجهه الدولة، من قبل ذوو أولئك المتعاملين والمتعاونين، الذين كانوا اتهموا إسرائيل، بعدم الاكتراث بقضية "ترابين" كونه عربياً، وبالتالي تأثيرهم على الأبناء سيكون أقوى، بالتخلي عن الاندماج في الثقافة الإسرائيلية وملحقاتها، باتجاه مساندة القضايا العربية، وهذه من الأمور المهمة التي هي محل اهتمام لدى الإسرائيليين، باعتبار هذا الجانب، قطعة مشاهدة حقيقية، تمثل قمة التعايش الحي بين الطوائف المختلفة في لإسرائيل، أمام العالم الخارجي على الأقل، وعلى أية حال، ومادامت تلك التطلعات والأماني، لم يتحقق منها شيء برغم الفرص المهدرة، فإن على الأسرى البواسل وعلينا "عرباً ومسلمين" البقاء على أملٍ، وانتظار فرصاً أخرى، التي نرجوا أن تأتي سريعاً.
القاهرة
الأحد 22/4/2012